القرطبي

405

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

فيه أربع عشرة مسألة : الأولى - قوله تعالى : " الحج أشهر معلومات " لما ذكر الحج والعمرة سبحانه وتعالى في قوله : " وأتموا الحج والعمرة " [ البقرة : 196 ] بين اختلافهما في الوقت ، فجميع السنة وقت للاحرام بالعمرة ، ووقت العمرة . وأما الحج فيقع في السنة مرة ، فلا يكون في غير هذه الأشهر . و " الحج أشهر معلومات " ابتداء وخبر ، وفي الكلام حذف تقديره : أشهر الحج أشهر ، أو وقت الحج أشهر ، أو وقت عمل الحج أشهر . وقيل التقدير : الحج في أشهر . ويلزمه مع سقوط حرف الجر نصب الأشهر ، ولم يقرأ أحد بنصبها ، إلا أنه يجوز في الكلام النصب على أنه ظرف . قال الفراء : الأشهر رفع ، لان معناه وقت الحج أشهر معلومات . قال الفراء : وسمعت الكسائي يقول : إنما الصيف شهران ، وإنما الطيلسان ( 1 ) ثلاثة أشهر . أراد وقت الصيف ، ووقت لباس الطيلسان ، فحذف . الثانية - واختلف في الأشهر المعلومات ، فقال ابن مسعود وابن عمر وعطاء والربيع ومجاهد والزهري : أشهر الحج شوال وذو العقدة وذو الحجة كله . وقال ابن عباس والسدي والشعبي والنخعي : هي شوال وذو القعدة وعشرة من ذي الحجة ، وروي عن ابن مسعود ، وقاله ابن الزبير ، والقولان مرويان عن مالك ، حكى الأخير ابن حبيب ، والأول ابن المنذر . وفائدة الفرق تعلق الدم ، فمن قال : إن ذا الحجة كله من أشهر الحج لم يرد ما فيما يقع من الأعمال بعد يوم النحر ، لأنها في أشهر الحج . وعلى القول الأخير ينقضي الحج بيوم النحر ، ويلزم الدم فيما عمل بعد ذلك لتأخيره عن وقته . الثالثة - لم يسم الله تعالى أشهر الحج في كتابه ، لأنها كانت معلومة عندهم . ولفظ الأشهر قد يقع على شهرين وبعض الثالث ، لان بعض الشهر يتنزل منزلة كله ، كما يقال : رأيتك سنة كذا ، أو على عهد فلان . ولعله إنما رآه في ساعة منها ، فالوقت يذكر بعضه بكله ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أيام منى ثلاثة ) . وإنما هي يومان وبعض الثالث . ويقولون : رأيتك اليوم ، وجئتك العام . وقيل : لما كان الاثنان وما فوقهما جمع ( 2 ) قال أشهر ، والله أعلم .

--> ( 1 ) الطيلسان : كساء مدور أخضر ، لحمته أو سداه من صوف يلبسه الخواص من العلماء والمشايخ ، وهو من لباس العجم . ( 2 ) كذا في نسخ الأصل . ووجهه : أن اسم كان ضمير الشأن ، وجملة " الاثنان وما . . . " الخ في محل نصب خبر كان .